الصفحة الرئیسیة  اتصل بنا  نبذة عن 
9/7/2010 خیارات تحت اشراف مکتب سماحة آیة الله العظمی السید الأردبیلي (دام ظله)
فهارس موضوعیة | مکتبة | مقالات | نقد الشبهات | سؤال و جواب | علماء | مستبصرون | رأي | ملتقیات | تعریف بالکتاب |
إرسال إلی الأصدقاء
إرسال الإشکال
تحدید
طباعة
بحث
بحث

مجال البحث


منتدي «توظيف القرآن للتاريخ ورؤيته لوقائعه»
زیارة : 60
تاریخ الإدراج : 6/5/2010
المحاضرون : العلامة السيد محمد حسين فضل اللّه - الدكتور محمود الابستاني - الدكتور علي لاغا
تاریخ الإجراء :
اللجنة المقیمة : مجلة "المنهاج" اللبنانیة

أجدد الملتقیات

أکثر الملتقیات زیارة
فهرس موضوعي للملتقیات :: القرآن :: تفسیر القرآن :: المناهج التفسیریة :: منتدي «توظيف القرآن للتاريخ ورؤيته لوقائعه»
 

منتدي «توظيف القرآن للتاريخ ورؤيته لوقائعه»

المنتدون: العلامة السيد محمد حسين فضل اللّه، الدكتور محمود الابستانى، الدكتور علي لاغا .

1- ثمة ظاهرة تبرز واضحة في القرآن الكريم، وهي ان حيزا واسعا من سوره قد شغلته القضايا التاءريخية بحيث انه لا تكادتخلو سورة من سوره من عرض لواقعة تاءريخية، او اشارة سريعة لحدث او موقف انساني فردي او جماعى. ما هي اسباب هذه الظاهرة، وما هو المعيار الذي يحكم - في نظركم - اختيار القرآن للواقعة التاءريخية؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

القرآن كتاب هدى، ورسالة ايمان موجهة الى الانسان في عقله وفي عاطفته وحركته وتطلعاته. وينطلق باءسلوبه من‏خلال كل الاساليب المؤثرة التي تخاطب وجدانه في كل نقاط ضعفه وقوته، وتنفذ الى عمق مشاعره الانسانية.

ولعل من افضل الوسائل في التاءثير النفسي والعقلي على الانسان، اثارة التاريخ في وجدانه من خلال كل الاحداث التي‏مرت على الناس من قبله، لا سيما الذين تربطه بهم علاقة، من نسب او ارض او ذاكرة تاريخية، لانها تمس شخصيتهم‏العاطفية في احاسيسها الذاتية، لان الانسان نتاج التاريخ في حركته الثقافية ومؤثراته النفسية من خلال كل ما تتناقله‏الاجيال من قصص الماضي مما انطلق به الاباء والاجداد.

وربما تحولت بعض الاحداث التاريخية الى ما يشبه القداسة‏في مفرداتها المتصلة بالواقع الانتمائى، او العملي للانسان. وهذا هو الذي واجهته الرسالات في طروحاتها الايمانية‏الجديدة في تحديات الذهنية التاريخية المقدسة في التقليد المقدس للماضي المتمثل في عقائد الاباء وعاداتهم‏وتقاليدهم مما ينقله القرآن الكريم في قوله تعالى: (بل قالوا انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مهتدون. وكذلك ماارسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها: انا وجدنا آباءنا على امة، وانا على آثارهم مقتدون) (الزخرفر22- 23).

وهذا يدل على مدى تاءثر الذهنية الثقافية بالمضمون التاريخي الذي يختلط فيه الجانب الفكري بالجانب العاطفى، في‏قداسة الخط التاريخي الذي يتحول الى ماض، بقطع النظر عن طبيعته الفكرية من حيث الخطاء والصواب والحق‏والباطل، تماما كما لو كان فكرا معصوما لا يقبل المناقشة. ولهذا راينا رد الفعل الذي مارسه الكفار ضد منطق الرسل: (قال: اولو جئتكم باءهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟ قالوا: انا بما ارسلتم به كافرون) (الزخرفر24).

وهذا ما نستوحيه من الاية التالية في قوله تعالى: (واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل اللّه والى الرسول، قالوا: حسبنا ما وجدناعليه آباءنا. اولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) (المائدة‏ر104). فنحن نلاحظ ان المنطق القرآني اراد ان يقتحم‏وجدانهم العقلي باثارة التفكير حول المضمون التاريخي من خلال طبيعته الفكرية في المقارنة مع المضمون الرسالي‏الذي جاء به الرسول. كما اطلق، في الاية الثانية، الفكرة التي تشير الى المستوى العقلي والعملي السلبي الذي يمثله‏الاباء.

وقد كان للتاريخ القصصي دور فاعل في المواجهة الكافرة التي كان يقوم بها بعض القصاصين في الحديث عن بعض‏تاريخ الفرس، لاشغال الناس عن القرآن من خلال تاءثير القصة التاريخية على وجدانهم بحيث تشغلهم عن القضاياالحيوية في حركة الصراع في ساحاتهم. وهذا ما رواه الطبرسي في مجمع البيان، قال: نزل قوله تعالى: (ومن الناس من‏يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين) في النضر بن الحارث بن‏علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، كان يتجر فيخرج الى فارس فيشتري اخبار الاعاجم ويحدث بها قريشا،ويقول لهم: ان محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وانا احدثكم بحديث رستم واسفنديار واخبار الاكاسرة فيستمعون‏حديثه ويتركون استماع القرآن.

وقد كان النبي (ص) يوجه اصحابه الى عدم الاستغراق في الاستماع الى قصص التاريخ التي لا تملك اية دلالة تتصل‏بالواقع العملي للانسان في مسؤولياته الدنيوية والاخروية، فقد جاء في حديث السيرة النبوية الشريفة مما رواه في‏الكافي باسناده عن ابراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن موسى ( (الكاظم)) (ع) قال: دخل رسول اللّه (ص) المسجد فاذاجماعة قد اطافوا برجل فقال: ما هذا؟ فقيل: علامة. فقال:

وما العلامة؟ فقالوا له: اعلم الناس باءنساب العرب ووقائعهاوايام الجاهلية والاشعار العربية، قال: فقال النبي (ص): ( (ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه)). ثم قال‏النبي (ص): انما العلم ثلاثة: آية محكمة، او فريضة عادلة، او سنة متبعة، وما خلاهن فهو فضل.

وهكذا نرى ان النبي (ص) لا يريد للناس ان ياءخذوا بالتاريخ الذي لا ينفعهم، بل ربما يثير عصبياتهم ويربك افكارهم‏واوضاعهم وعلاقاتهم ببعضهم.

وفي ضوء هذا نلتقي بالجواب عن السؤال، فقد انطلق القرآن الى القصة التاريخية والاثارة القصصية من اجل ان يعيد الى‏الانسان الذاكرة التاريخية في مضمونها السلبى، من خلال نتائجها السلبية في احاديث الطغاة والظالمين والمكذبين، من‏اجل اثارة التفكير في المساءلة من خلال المبدا الذي يثيره التاريخ في حديث الماضى، ليدرس الانسان الذي يعيش في‏الحاضر كل المفردات التي يمكن ان تحقق النتائج السيئة في حياته بالطريقة التي تحققت في حياة الاجيال السابقة، لان‏المساءلة لا تتصل بالزمن بل تتصل بالمضمون السلبي لهذه المفردات العملية الواقعية. وهذا هو ما نلاحظه في قوله‏تعالى:

(الم تر كيف فعل ربك بعاد، ارم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد،وفرعون ذي الاوتاد، الذين طغوا في البلاد، فاءكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، ان ربك لبالمرصاد) (الفجر/6- 14).

وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: (ذلك مثل القوم الذين كذبوا ب‏آياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) (الاعراف/176). (تلك القرى نقص عليك من انبائها) (الاعراف/101).

الى جانب ذلك نلتقي بالقصص الايجابية في التاريخ كما في قوله تعالى، في قصة اهل الكهف (نحن نقص عليك نباءهم‏بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (الكهف/13). وهذا ما نراه في قصص الانبياء والمؤمنين معهم في ثباتهم على‏الحق واصرارهم على المواجهة وصبرهم على التحديات كما في قوله تعالى: (ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما ياءتكم‏مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباءساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر اللّه الا ان نصراللّه قريب) (البقرة‏/ 314).

وفي قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من انباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا) (طه/99). وفي احاديث قصة نوح‏وابراهيم وموسى وعيسى ويوسف وغيرهم ممن يمثلون حركة الرسالات ووحدة المضمون الرسالي فيها، وروحية‏الرسل في انفتاحهم على اللّه وعلى الناس وعلى الرسالة، وتجربتهم القاسية في الدعوة والصراع المرير مما يمثل الدرس‏والعبرة والايحاء الفكري والروحي والعملي في خط الاستقامة والثبات وفي واقع التحديات. وهذا هو الذي يوحي به‏قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل‏شي‏ء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (يوسف/ 111). فليست المساءلة مساءلة قصة للهو في سرد التاريخ، بل المساءلة مساءلة‏عبرة للحاضر والمستقبل من النتائج الايجابية او السلبية في حركة الانسان والتاريخ مما يتمثله الانسان في كل زمان‏ومكان باعتبار ان القضايا التاريخية لم تكن خاضعة في ايجابياتها وسلبياتها لخصوصيات المرحلة الزمنية لتتجمد في‏داخلها ولتموت بزوالها، ولكنها كانت خاضعة للمضمون الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يمثل‏الواقع الموضوعي للاحداث في اطار الزمن لا الواقع الزمني الفارق في اللحظة الزائلة.

ومن خلال العبرة - الدرس تنطلق الرحمة الالهية والهدى الرسالي من خلال الافكار والايحاءات والمؤثرات الروحية‏لتزيد المؤمنين في ايمانهم ولتنهج بهم النهج السليم.

ان القرآن كتاب دعوة وهدى وحركة في خط الرسالة التي تنفتح بالانسان على اللّه ورسالاته. ولذلك كانت القصة في‏اسلوبه وسيلة من وسائل التوعية الروحية والثقافية والعملية، والتاءكيد على امتداد السيرة الرسالية في واقع الانسان من‏الماضي الى الحاضر والمستقبل في عملية تواصل وتفاعل واستيحاء ودراسة ليتحسس كل انسان موقعه في حركة‏التاريخ، وليعي دوره فيها ومسؤوليته في خطواته الخيرة والشريرة في خط الاستقامة والانحراف ليحدد لنفسه اهدافهاوطريقها في قضايا المصير ليكون مع الصالحين لامع الفاسدين ومع المحقين لامع المبطلين.. وعلى ضوء ذلك يتم‏اختيار الواقعة التاريخية من خلال علاقتها بهذا الخط وارتباطها بالفكرة والانسان والحياة وفي دائرة القصص الحق الذي‏ينطلق من عمق الصدق في الواقع ليصحح الكثير مما اختلف فيه الناس بين اقاصيص الحق والباطل، وذلك قوله تعالى: (ان هذا لهو القصص الحق) (آل عمران/62). وقوله تعالى:

(ان هذا القرآن يقص على بني اسرائيل اكثر الذي هم فيه‏يختلفون) (النمل/76). وفي نهاية المطاف، يؤكد القرآن على الانسان ان قصص الماضي هي مسؤولية الناس الذين عاشوافيه وصنعوا احداثه. ولذلك فلا ضرورة لان نشغل انفسنا من هذا الجانب الذاتي المتصل بهم الا من خلال علاقته‏بمسؤوليتنا وحياتنا، فهم صنعوا تاريخهم من خلال كسبهم، وعلينا ان نصنع تاريخنا في خط مسؤوليتنا عن صنع الحياة‏في كل قضاياها المتصلة بنا لنتحمل مسؤولية ذلك امام اللّه. وهذا هو قوله تعالى: (تلك امة قد خلت، لها ما كسبت ولكم‏ما كسبتم ولا تساءلون عما كانوا يعملون) (البقرة‏ر134).

الدكتور علي لاغا:

ان استعمال كلمة ( (تاريخ)) التي تعنى: ( (تعريف الوقت)) كما جاء في لسان العرب لابن منظور، او بمعنى ( (ذكر اخبار الامم‏السابقة، اي سردها ووصفها.. هكذا)). ان هذا الفهم يختلف عن المنهج الذي يسوقه القرآن الكريم في سرد القصص التي‏توصف بالتاءريخية في مقدمة السؤال.. والاية الكريمة (لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب ما كان حديثا يفترى‏ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شي‏ء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (سورة يوسف/111). تضعنا امام حقيقة‏المقصد، ان ذلك عبرة، اي فكرة، وتذكرة، وعظة لاولي العقول، والعبرة تعني ايضا البصيرة المخلصة من الجمل‏والحيرة، واولو الالباب هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم كما يذهب لذلك القرطبي في تفسيره (9/277)..وذلك يؤدي بهم الى ادراك الحقائق المرجوة.

ويبدو ذلك واضحا ايضا من كل قصة ترد في كتاب اللّه عز وجل، ان الاية (175) من سورة الاعراف وما يليها تذكر اسم‏رجل من بني اسرائيل ترك امر اللّه عز وجل واتبع هواه، فاءصبح الشيطان له قرينا.

ان هذه الاية تبين حقيقة الانسان عندما ينسلخ عن الشرع (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه اخلد الى الارض واتبع هواه فمثله‏كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا ب‏آياتنا فاقصص القصص لعلهم‏يتفكرون) (سورة الاعراف/176). والتفكر المرجو هو ترك الضلال، والتوجه نحو الصواب.

هناك بون شاسع بين الرواية، السيرة، التاريخ.. وبين المنهج التجريبى، ففي الحالة الاولى يقتصر السياق على الاخبار، امافي الحالة الثانية فانه يعتمد على التجربة ومعرفة الخطاء لاجتنابه، والوقع على الصواب للترميم عليه. واذا كانت التجربة‏في عصرنا الحاضر باتت تعني الاعمال المخبرية، فهي في حقيقتها اكثر شمولية، والباحثون اليوم يعلمون ذلك، اذ انهاتطبق على حركة المجتمع كما هي بالنسبة للمادة..

ان القرآن الكريم ربى المجموعة الاولى من المسلمين، كما يربي البشرية في كل زمان، على الاسس السليمة، فيعيش‏تجارب الامم السابقة، وكل حادثة يتم القصص عنها، تكون متناسبة في الواقع المراد معالجته، او الفكرة المقصود تثبيتهافي الاذهان وسائر الجوارح.

انه منهج تجريبى، تمكن المسلمون بوساطته ريادة الكون، وتقديم الخلاص للبشرية في شقي تنازعها، اي بجانبي‏الروح والمادة في آن معا.

والسؤال رقم (3) هو جواب كاف عن السؤال الذي يتساءل عن اسباب ظاهرة سرد القصص. انه عرض لتجارب الماضي‏واحداثه من خلال معرفة السنن كي نوظفها في تعاطينا مع الواقع..

نعم هذه هي المقاصد التي يمكن معرفتها والتوقف عندها.

الدكتور محمود البستانى:

الملاحظ ان ما اصطلحتم عليه بالقضايا، او الوقائع التاريخية، او ما اصطلحتم عليه بالحدث او الموقف الانساني فرديااو جماعيا... هذه الوقائع والمواقف، اذا نظرنا اليها من الزاوية الفنية - وهذا ما نستهدف التاءكيد عليه - يكون بمقدورناان ننسبها الى ما يصطلح عليه النثر القصصى، طالما نعرف ان القرآن الكريم لم يضع هذه الوقائع او المواقف باءسلوب‏اخباري كما هو طابع المؤرخين، بل نسجها وفق عمارة فنية، كما هو ملاحظ في النص القصصي والمسرحي والحكائي‏من حيث التوكؤ على ادوات فنية لا يعنينا الان الحديث عنها، بقدر ما تعنينا الاشارة فحسب الى الشكل التعبيري الذي‏اعتمده القرآن الكريم في عرضه للموضوعات.

وما دام السؤال هو: عن اسباب العرض للحدث او الموقف واكسابه مساحات كبيرة من النص القرآني الكريم، عندئذيمكننا ان نجيب بوضوح باءن القرآن الكريم ما دام مستهدفا ايصال حقائق معينة الى الاخرين، حينئذ فان العرض‏القصصي يظل اشد الاشكال التعبيرية تاءثيرا في المتلقى، حيث نعرف جميعا ان القصة ما دامت تضمن عناصر:

حية،متحركة، من خلال استنطاقها الشخوص، ورسم ملامحهم الخارجية والداخلية، او استنطاق الحوادث وعرض ما هومثير او مدهش منها: حينئذ فان انشداد المتلقي اليها يظل اشد فاعلية من الاشكال التعبيرية الاخرى كما هو واضح. من‏هنا يمكننا ان نفسر الاسباب الكامنة وراء الصياغة القصصية للواقعة او الموقف وتكثيف المساحة المخصصة لها في‏النص القرآني الكريم.. هذا يعنى، في الحصيلة، ان النص القرآني الكريم عندما ينتخب حدثا، او موقفا، انما ينتخبه‏لانطوائه على عنصر حكائي اولا، ولانطوائه على اسلوب او اداء جمالي ثانيا..

2- هناك قيم حرص القرآن الكريم على تاءكيدها وتعليمها للناس من خلال الحدث التاءريخي هل يمكن اعطاؤنا صورة‏موجزة عن هذا النهج القرآني في التعليم من خلال بعض النماذج، كقصة موسى مع الخضر او ابراهيم مع ولده اسماعيل‏حينما هم بذبحه؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

لقد انطلق القرآن الكريم، في النماذج الانسانية، في القصة التاريخية، ليقدم لنا القيمة في صورة انسان في سلوكه العملي‏ومناعته الاخلاقية وقوته الروحية، وذلك في اكثر من موقع.

فنلتقي بقصة ابراهيم (ع) في حواره مع نفسه عندما راى الكوكب ثم القمر والشمس وتحدث، في كل رؤية لاي واحدمنها، انه ربه، ليصل بعد ذلك الى خطاء الفكرة من خلال محاكمتها على ضوء فقدانها لعناصر الالوهية. فنلاحظ ان اللّهاراد ان يقدم الانسان الحواري - مع نفسه - في تاءملاته الفكرية التي تنطلق من حالة الشك المتحرك في مشاهداته او في‏اجواء البيئة التي تاءثر بها لتصل الى درجة اليقين، انطلاقا من الحالة الموضوعية للشك ليكون منهجيا في خط المناقشة‏والمحاكمة الذي ينتهي الى الايجاب في اقتناع الانسان بالنتائج عن حجة وبرهان، لا سلبيا يقف عند حدود علامات‏الاستفهام، من دون ان يتقدم خطوة واحدة الى الامام ليتحول الى عقدة في نفسه تمنعه من الطماءنينة الفكرية.

وهذا هو المنهج العلمي في تكوين العقيدة في الاسلام الذي يريد للانسان ان لا يقلد في العقائد، بل ينطلق من اجتهادذاتي في مستوى ثقافته بالسؤال والحوار والتاءمل ما يجعل حركة علامات الاستفهام في البداية وسيلة من وسائل‏الوصول الى القاعدة اليقينية في النهاية.

ونلتقي بابراهيم (ع) مع ولده اسماعيل، اذ قال: (رب هب لي من الصالحين، فبشرناه بغلام حليم. فلما بلغ معه السعي‏قال: يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى. قال: يا ابت افعل ما تؤمر، ستجدني ان شاء اللّه من الصابرين.فلما اسلما وتله للجبين، وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين ان هذا لهو البلاء المبين) (الصافاتر100- 106).

اننا نجد، في قصة ابراهيم، معنى الشجاعة في الموقف الرسالي على خط البطولة الروحية التي استمدت حيويتهاوثباتها وصلابتها من الايمان باللّه والانفتاح عليه والوعي للسر الالهي المتمثل في الالوهية المطلقة التي تحتوي العبادفي العمق الشامل لكل مفردات حياتهم، بحيث لا يجد لنفسه اية حرية ذاتية امام اللّه، فيما يريد اللّه منه القيام به، فعلا اوتركا، سواء اكان الامر متعلقا بموقفه من نفسه فيما يتصل بحاجاته الخاصة ام بموقفه من عاطفته، فيما يتصل باءهله‏وولده، او بموقفه من الاخرين في حياته العامة فيما يرتبط بموقفه من علاقاته العامة بقومه، وذلك في صفاء روحي‏ووداعة انسانية، واستسلام عبادى، لا يشعر فيه بانسحاق الارادة بل يجد فيه - بدلا من ذلك - ارادة الحركة الفاعلة في‏وعي الذات للعبودية التي تملك حريتها في الكون من موقع استسلامها للّه وتمردها على كل من عداه.

انها القصة النموذج في تاءكيد قيمة الاسلام المطلق للّه في الانقياد له حتى في استسلامه لذبح نفسه باختياره، كما لو كان‏يؤدي الصلاة او لذبح ولده اخلاصا للّه في العبودية في صفاء الروح. فاذا التقينا بقصة موسى مع العبد الصالح الذي يقال:انه الخضر، فاننا نلتقي في ايحاءاتها بعدة نقاط هى:

1- الاسلوب الوديع الذي يعبر عن روح التواضع للعلم والعلماء، من دون نظر الى طبيعة المركز الاجتماعي او الديني‏الذي يقف فيه العالم والمتعلم، فنحن نجد الادب الرسالى، في الكلمات الهادئة المتعطشة للعلم التي خاطب بها موسى‏هذا العبد الصالح (هل اتبعك على ان تعلمني مما علمت رشدا).

2- الاسلوب الواقعي الذي يعبر عن الروح العملية التي يعيشها العالم تجاه المتعلمين، بعيدا عن اية مجاملة تفرضهاالاوضاع الاجتماعية او اي اسلوب من اساليب اللف والدوران، التي تحاول خداع الاخرين، لتجعل منهم ارقاما تضاف‏الى ارقام الاتباع الموجودين الذين يشاركون في تضخيم شخصية الاستاذ، من دون ملاحظة لاستفادتهم منه او قابليتهم‏للتعلم والانتفاع بعلمه، فقد لاحظ هذا العبد الصالح انه يختلف عن الاخرين في طبيعة معرفته بالواقع، فهم يلتقون‏بالجانب الظاهر منه، بينما يعتبر نفسه مطلعا على الجوانب الخفية التي تختفي وراء الصور الظاهرية الماءلوفة للاشياء مايجعلهم يرفضون او لا يتحملون طريقته في العمل، واسلوبه في معالجة هذا الواقع، وسوف لن يتقبلوها في نهاية‏المطاف، ولذلك تفقد الصحبة قائدها، وتتحول الى مزيد من المجادلات والمخاصمات التي لن تكون في مصلحة احد،ولا في مصلحة الحقيقة على اي حال.

وعلى ضوء هذا اوضح له طبيعة سلوكه الذي يتعارض مع الماءلوف، واعلن له مقدما انه - اي موسى - لا يستطيع معه‏صبرا، لان الانسان لا يملك الصبر على ما لم يحط بمعرفته، فلم يكن من موسى الا ان وعده بالصبر والطاعة المطلقة.وكانت تعليمات العبد الصالح ان لا يساءله موسى عن اي شي‏ء يشاهده ويثير استغرابه، ويرسم علامات الاستفهام في‏ذهنه، مهما كان الشي‏ء مثيرا او غريبا، وينتظر حتى يبداه - هو - بالحديث عنه وعن كل شي‏ء شاهده ورآه.

وبهذا كانت العلاقة المتبادلة بينهما علاقة صحبية ترتكز على السعي نحو المعرفة في اطار من الانضباط والواقعية.

3- ان القضايا التي قام بها هذا العبد الصالح كانت تتحدى صبر موسى بما اثارته من خروج عن الخط الشرعى، كما في‏قضية قتل الغلام، وخرق السفينة لما في الاولى من اعتداء على الحياة من دون ذنب، ولما في الثانية من اعتداء على‏الاموال وتعريض الاخرين للخطر من دون حق، وبما اظهرته من اهمال لمبدا استغلال الطاقة التي يملكها الانسان من‏اجل حماية نفسه من الجوع، لا سيما مع الاشخاص الذين لا يعيشون القيم في حياتهم العامة، ولهذا كانت احتجاجات‏موسى تتلاحق وتشتد، في كل حالة من هذه الحالات، حتى كانت الحالة الاخيرة التي سبقها التعهد الاخير بالصبر من‏قبل موسى (ع) واعطاء صاحبه الحرية في ان يفارقه، اذا استمر في اثارة السؤال ونفاد الصبر.

وهكذا كان.. ولم يستطع موسى الصبر في الحالة الاخيرة.. وبدا العبد الصالح بعد ان نفذ تهديده بالفراق يشرح لموسى كل شيء ويوضح له طبيعة الاعمال التي اثارت استنكاره، وكيف كانت مرتبطة باءمر اللّه لا برايه الشخصى، وليس من شاءن هذا البحث ان ندخل في الحديث عن تقويم هذه الاعمال من حيث انسجامها مع الخطوط الماءلوفة للشريعة اواختلافها عنها، وخضوعها لحالة استثنائية اقتضتها طبيعة تلك الحالات الخاصة فان لذلك بحثا لا مجال له الان.

ولكن ما نريده هو الاستفادة من الجو في هذا الحوار بتقرير فكرتين اساسيتين في مستوى القيمتين الاخلاقيتين، وهما:

1- الانضباط والصبر والصمت في الحياة العملية المتحركة في اتجاه ممارسة الانسان للمسؤولية اذا كانت الجهة التي يتبعها، او يتعاون معها في مستوى الثقة الفكرية والدينية والعملية التي تبرر له الاعتماد عليها والسير معها فلا يسارع بالاعتراض على ما يوجه اليه من اوامر، وما يشاهده من اعمال تخالف ما هو ماءلوف لديه، لان ذلك قد يؤدي الى الارتباك في العمل، والخلل في انضباط الصفوف، بل يؤخر ذلك الى الظرف المناسب.

2- ان على المؤمنين ان يتقبلوا بالصبر والتسليم ما يلقى اليهم من احكام اللّه مما لا يتفق مع الافكار التي ياءلفونها، لان اللّهاعلم بجهات الصلاح والفساد، فاذا حدثت لهم شبهة في اي امر من ذلك فليتهموا افكارهم، في البداية، وليحاولواالبحث - بعد ذلك - عن طبيعة الحكم وحيثيته ليصلوا الى الحقيقة الحاسمة في نهاية المطاف.

وقد نلتقي بقصة امراة فرعون التي ضربها اللّه مثلا للذين آمنوا من الرجال والنساء لنجد فيها المراة المؤمنة القوية التي تتمرد على كل نقاط الضعف في شخصيتها فترفض كل ملك فرعون من اجل الحصول على رضوان اللّه ونعيمه في جنته، وذلك هو قوله تعالى: (وضرب اللّه مثلا للذين آمنوا امراة فرعون، اذ قالت:

رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين) (التحريم/11).

وهذا هو التعبير الانساني النسوي عن الايمان القيمة الذي يدفع صاحبه الى الارادة القوية في رفض الواقع الفاسد الذي يتنافى مع مبادئه، مهما كانت المغريات محيطة به او محتشدة في ساحته، لينفتح على النتائج الايجابية الكبرى في القضايا المصيرية، الامر الذي يؤكد واقعية القيمة الايمانية في تاءثيرها على حركة الذات في التحدي للنفس الامارة بالسوء وللقوى الضاغطة التي تطبق على قرار النفس في عملية مواجهة حادة تصنع من الضعف قوة لا سيما في المراة التي لا يمثل ضعفها الانساني قضاء وقدرا يحكم حياتها بحيث لا تملك التحرر منه، فكما يملك الرجل - وهو الانسان الذي خلقه من ضعف - ان ينتقل من الضعف الى القوة بارادته الايمانية فان المراة المخلوقة من ضعف، تملك ذلك لان اللّه لم يتحدث في القرآن عن ضعف المراة بل تحدث عن ضعف الانسان.

ان القيمة هنا - في القصة - هي ان الانسان المراة قد يرتفع الى النموذج الاعلى الذي يجسد القيمة الاخلاقية في الثبات على الخط واسقاط الانحراف في افضل مثال.

ويتحرك - بعد ذلك - كل القصص القرآني في تعبير فني ايحائي عن القيمة المتجسدة في الناس، لتكون القصة منهجاتربويا في تاءكيد القيمة في الواقع الانساني في حركة النمو والتطور والتزكية الانسانية.

الدكتور علي لاغا:

جاء، في موسوعة «في ظلال القرآن»: «ان النظر في آثار الغابرين يهز القلوب، حتى قلوب المتجبرين...

ولحظات الاسترجاع الخيالي لحركاتهم وسكناتهم وخلجاتهم، وتصورهم احياء يروحون في هذه الامكنة ويجيئون، يخافون ويرجون... ان هذه التاءملات لتهز القلب البشري هزا مهما يكن جاسيا غافلا قاسيا. ومن ثم ياءخذ القرآن بيد القوم ليوقفهم على مصارع الغابرين بين الحين والحين: (...افلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الاخرة خير للذين اتقوا افلا تعقلون) (سورة يوسفر109). افلا تعقلون؟.. فتدبروا سنن اللّه في الغابرين؟ افلا تعقلون فتؤثروا المتاع الباقي على المتاع القصير؟».

ان هذه الاية وما تلاها (حتى اذا استياءس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءها نصرنا..)، تؤكد سنة اللّه تعالى في شاءن الدعاة والدعوات لابد من الشدائد ولابد من الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة..

كما ان قصة موسى عليه السلام مع الخضر تركز على المعاني التي يمكن لانسان ضعيف في علمه ان يستشفها:

اولا: انه فوق كل ذي علم عليم، وحذار من الركون الى الغرور والاستعلاء، ان موسى عليه السلام كبير انبياء بني اسرائيل وقاهر فرعون، وصاحب اليد والعصا التي بها انفلق البحر، وكانت من قبل قد التقفت كل حبال السحرة، موسى النبي الذي نزلت عليه التوراة وكلمه اللّه تعالى.. وصل به الامر الى ان يظن بنفسه انه حوى كل العلوم، فاءوحى اليه تعالى ان العلم اعظم من ان يحويه رجل، او ينفرد به رسول، فكانت قصته مع الرجل الصالح الخضر عليه السلام. والايات 60- 82من سورة الكهف تحكي تفاصيل تلك القصة.

ثانيا: المنهج التجريبي في التعلم، والحوار التالي يشهد على ذلك: (قال له موسى: هل اتبعك على ان تعلمني مماعلمت رشدا. قال: انك لن تستطيع معي صبرا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ قال: ستجدني ان شاء اللّه صابراولا اعصي لك امرا) (الكهف/66- 69). وهذا يعني ايضا وجوب التسليم من قبل المتعلم للمعلم، والصبر على ما التبس عليه حتى تظهر الحقيقة في اوانها.

ثالثا: يمكن للعالم في حقائق الامور ان يتخذ موقفا ويتفرد به.

وهذا يمكن اسقاطه على القادة الملتزمين بشورى اهل الخبرة الى الحد الذي يستكمل كل امكانيات المجتمع، حيث انه لا يجوز القيام بعمل وما زال اناس لديهم القدرة على تحسينه وتحصينه، دونما ضم جهودهم الى القدرات المبذولة.. عندها يجوز لهؤلاء ان يفعلوا ما ليس مفهوما عندآخرين من خاصة او عامة، كمثل خرقه للسفينة ثم بنائه للجدار المتصدع..

اما قصة ابراهيم الخليل وابنه اسماعيل عليهما السلام فهي مشهد لتجربة ثبت فيها الايمان باللّه تعالى وتصديقه والالتزام باءوامره على الرغم من كل عاطفة ورغبة، ان الطاعة كانت من الاب الذي سينفذ عملية الذبح والابن المراد ذبحه (..

قال يا بني اني ارى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى. قال:

يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء اللّه من الصابرين) ثم الامتثال لامر اللّه تعالى. يتنزل الفرج (فلما اسلما وتله للجبين. وناديناه ان يا ابراهيم. قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين. ان هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم..) (الصافات/101- 112).

ان الطاعة للّه عز وجل وفق السنن المفروضة هي الطريق الى الفرج مهما ادلهمت الظلمات، او تداخلت المصاعب والمتاعب..

الدكتور محمود البستانى:

ما دمنا نخبر جميعا ان كل مادة قرآنية كريمة تنطوي على صياغة «هدف» ما، حينئذ فان الاهداف، او القيم، او الافكارالتي يستهدف توصيلها الى المتلقي تظل متنوعة تبعا لتنوع المبادىء الاسلامية نفسها.. كل ما في الامر: ثمة قيم يتم التاءكيد عليها اكثر من التاءكيد على سواها، وهذا من نحو القصص التي ترسم مصائر الامم المنحرفة: بخاصة المصائرالدنيوية بهدف تعديل السلوك البشري في تحديد موقفه من الكون، اي الايمان به تعالى، بصفته هو النافذة التي يمكن ان يطل الانسان منها الى سائر مبادئه تعالى.. لكن: اذا تجاوزنا هذا الجانب، نجد ان قيما متنوعة اخرى، منها ما اشرتم اليه من حادثتي وموقفي موسى وابراهيم (ع) وعشرات امثالها، تنفرز امام المتلقي ليجد نفسه حيال مبادىء او اهداف متنوعة يستخلصها من الواقعة الواحدة، وذلك بما تنطوى عليه من التعدد الدلالى. فحادثة موسى مع الخضر (ع) لاتنحصر في استخلاصنا الدلالة التي يشير اليها النص التفسيري في ذهابه الى انه (ع): اما ان يكون قد انبهر بمعطياته من الايات المتنوعة، او استخلاص ان كل شخصية مصطفاة «تتخصص» في معط ى تتفاضل به على اخرى، بل يتجاوز ذلك الى دلالات اخرى، منها مثلا: ورودها في سياق مجموعة من القصص والايات التي تتحدث عن «زينة الحياة» الدنيا،وانشطار الناس حيالها الى «متشبث» بها او «نابذ»، مثل حادثة صاحب الجنتين اللتين انبهر بهما، فشكك بقيام الساعة مقابل ذي القرنين الذي ملك شرق الارض وغربها دون ان ينبهر بزينة الحياة الدنيا، او حادثة اهل الكهف التي المحت الى انهم انتخبوا اقصى نبذ لزينة الحياة وهو دخولهم الكهف مقابل المتشبثين باءبسط زينة، او ملاحظتنا لنمطين من الشخصيات المصطفاة: احداهما شخصية موسى (ع) الذي القيت عليه الاضواء بحيث عزمته الدنيا مقابل الخضر (ع)فيما لم يعرفه حتى موسى (ع) نفسه.. ان المتلقي حينما ينتهي من قراءة النص القصصي المذكور، سوف يستخلص جملة دلالات واهداف، لا دلالة واحدة، فبالاضافة الى انه سوف يتداعى بذهنه - ولو بنحو غير مباشر - الى التعرف على مستويات التشبث او النبذ لزينة الحياة، سوف يستخلص دلالة «الحكمة» الكامنة وراء كثير من الظواهر التي تند عن التعليل. انه سيستخلص مبلغ علم الانسان مهما تعاظمت شخصيته العبادية، ويستخلص ضرورة الصبر، ويستخلص توزيع الادوار العبادية التي اوكلها تعالى الى المصطفين من عباده.. الخ..

3- يؤكد بعض العلماء والباحثين وجود قوانين وسنن تحكم حركة التاءريخ، وان القرآن قد توخى في عرضه لتجارب الماضي واحداثه اكتشاف هذه السنن لنوظفها في تعاطينا مع الواقع. ما هو رايكم في ذلك؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان التاريخ، في حركته، هو جزء من الطاقة الانسانية المتمثلة في النماذج المتنوعة للانسان الخاضعة للنظام الوجودي الذي اراد اللّه للكون وما في داخله ان يتحرك فيه، فان اللّه قد خلق كل شيء بقدر، وجعل لكل شيء قدرا واودع في الذات الانسانية المنفتحة على الروابط العضوية الحية التي تربطه بالوجود كله في داخلها وخارجها من العناصروالقوانين التي تنظم، فلا يملك الانسان ان يتحرك بطريقة فوضوية حتى لو اراد ذلك، لان مثل هذه «الفوضوية» تخضع للنظام السلبي في الواقع الحركي الوجودي للانسان، فكما يحتضن النظام الرياح المعتدلة فانه يحتضن الرياح العاصفة،وهكذا يتمثل النظام الوجودي في الفيضانات والزلازل والبراكين.

وعلى ضوء هذا فان التاريخ لا يتحرك بطريقة عمياء ولا يخضع للصدفة لان الانسان في عقله وعاطفته وتطلعاته وحركيته هو الذي يدفع بالمسار التاريخي الى غاياته الكبرى في جانب السلب او الايجاب والخير والشر فارادته في الظروف الموضوعية التي تتحرك في خلفياتها وفي امتداداتها هي التي تحدد المقدمات والنتائج، فقد جعل اللّه الحركة التاريخية مرتبطة بالواقع الانساني الداخلي الذي يمثل الخارج صورة له على هدى ما جاء في قوله تعالى: (ذلك باءن اللّهلم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما باءنفسهم) الانفال/53) وقوله تعالى: (ان اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيرواما باءنفسهم) (الرعد/11). وتلك هي سنة الهية انسانية تحرك الحياة لانها لا تنفصل في اوضاعها المتحركة عن الانسان،وهذا هو الذي يجعلنا نستوحي الفكرة الاسلامية الوجودية، وهي ان الانسان هو صانع التاريخ ومبدع الواقع العملي من خلال خصائصه الانسانية التي اودعها اللّه فيه، في دوره المميز في خلافة اللّه على الارض، من اجل قيادة الحياة وتحريكها على صورة الهدى الذي اراد اللّه للحياة ان تتمثل فيه.

وليس معنى ذلك ان السنن التاريخية تتحرك من خلال الانسان وحده بعيدا عن المؤثرات الاخرى الكامنة في صعيدالواقع، ولكن معناه هو ان الانسان هو الذي يتعامل مع هذه المؤثرات والظروف الموضوعية المحيطة بها من خلال الزمان والمكان والاشخاص والمفردات الحية والجامدة المتناثرة في ساحاتها، وهو الذي يعرف كيف يحركها ويديرهابالطريقة التي يصنع بها النتائج بارادته العاقلة، وحركيته الفاعلة.

وهذا هو الذي يجعل من السنن التاريخية عنوانا يتصل بالوجود الانساني كحالة طبيعية في حركته وحركة الحياة من حوله، فهناك نظامان في الكون، النظام الكوني الطبيعي المتمثل بالظواهر الطبيعية التي تحكم الارض والسماء في وجودها التكوينى، والنظام الانساني المتمثل بكل النشاط الانساني الفردي والاجتماعي في علاقاته الانسانية وفي علاقته بالارض وما فيها من وجودات اخرى وبالفضاء وما يتناثر فيه من ظواهر ومخلوقات، وهذا هو الذي يتيح للعاملين في الحقل الرسالي والاصلاحي ان يبداوا التخطيط المدروس في النفاذ الى عقل الانسان وعاطفته وحياته من خلال النظام الذي يحكم وجوده الحركي الذهني والعملي الفاعل فيضع للحياة اوضاعها ويحرك للتاريخ مسيرته.

وقد انطلق القرآن في تاءكيد هذه المساءلة وتحويلها الى قاعدة حركية في الواقع الانسانى، وفي اعتبار الحركة التاريخية مظهرا من مظاهر فعليتها المتحركة في الواقع وقد اكد القرآن الكريم على ذلك في الحديث عن التجربة التاريخية للانسان، وذلك في قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (آل عمران/137).

وقوله تعالى: (.. فهل ينظرون الا سنة الاولين فلن تجد لسنة اللّه تبديلا ولن تجد لسنة اللّه تحويلا) (فاطر/43).

وقوله تعالى: (سنة اللّه في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة اللّه تبديلا) (الاحزاب/62).

فاننا نلاحظ ان اللّه يحدثنا، في الاية الاولى، عن سنن من كان قبلنا في حركة المواجهة والتكذيب للرسل وفي النتائج السلبية المتصلة بهذه المساءلة مما يجعلها قانونا تاريخيا يصل النتائج بالمقدمات من حيث ارتباط المقدمات بارادة الانسان، الامر الذي يجعل من النتائج حالة طبيعية للواقع الانساني في التاريخ.

اما في الايتين التاليتين فان اللّه يحدثنا عن الثبات في سنة اللّه فلا تتبدل ولا تتحول الى سنة اخرى او الى مسار آخر، تماماكما هو القانون الطبيعي الذي يحكم الوجود الكوني الذي لا مجال لتبديله، كما يحدثنا عن بعض هذه السنن باءنها «سنة الاولين» للايحاء باءن الانسان هو الذي يحرك هذه القوانين التاريخية، فلا منافاة بين نسبتها الى اللّه من حيث انه هو الذي اودع في الاسباب سر السببية وربط بين السبب والمسبب، ونسبتها الى الانسان باعتبار انه هو الذي يمسك بالسبب في حركته الارادية في تحريك الاسباب في حركة الوجود في الامر الذي يجعل من التنمية الثقافية للانسان هدفا كبيراللرسالات، لتكون حركته في اتجاه الامساك باءسباب الخير لا الشر لتنطلق السنن في خط الايجاب لا في خط السلب لان القضية متصلة بارادته المنطلقة من فكره ومشاعره وتطلعاته.

ولابد لنا في الدراسة القرآنية من اكتشاف هذه السنن في حركة التاريخ على مستوى القاعدة التي تحكم النظام الانساني الطبيعي في الكون، لنستفيد من ذلك في وعي النتائج السلبية او الايجابية في الواقع، ولنعرف كيف نحرك القضاياالانسانية في اتجاه الحصول على حياة انسانية متوازنة والابتعاد عن كل الاوضاع السيئة التي ترهق مسيرة الانسان وتثقل مصيره لان هناك فرقا بين دراسة الحركات الانسانية في التاريخ الذي صنعه الانسان في الماضي والتاريخ الذي يصنعه في الحاضر والمستقبل، على اساس انها مفردات متناثرة في السلوك الذي لا تحكمه قاعدة وبين دراستها على اساس خضوعها لقاعدة ثابتة في مجمل الوجود الانساني في حركيته الفاعلة. ولعل افضل دراسة في هذا الموضوع هي الدراسة التي انطلق بها السيد الشهيد محمد باقر الصدر الذي يرجع اليه اكتشاف هذه «السنن التاريخية في القرآن»ليكون - بحق - هو المؤسس لدراسة هذه القضية على مستوى القاعدة.

الدكتور محمود البستانى:

الحديث عن السنن او القوانين التاريخية او الاجتماعية بعامة، سابق لاوانه، حيث طرحه علماء الاجتماع الموروث والمعاصر في مستويات متنوعة من التقبل او التحفظ او الرفض... بيد اننا اسلاميا لا نتردد البتة في تقبل ذلك، ومن ثم فان عرضها في القرآن الكريم يظل توظيفا - كعنصر القصة التي تحدثنا عنها - لتعديل السلوك. . طبيعيا، ينبغي ان نتحفظ في تحديد ما هو «اجتماعي» مقابل ما هو «فردي» من السنن او القوانين حيث يرد- في القرآن الكريم - مصطلح قوم او امة او انسان من دون ان يعني ذلك ان المقصود هو احدى الدلالتين بل قد تنسحب احداهما على الاخرى، مايجعل التشكيل بصياغته قانونا اجتماعيا او فرديا، من الصعوبة .... واحسب ان التفصيل في ذلك يتطلب مجالا خارج هذه الصفحات.

4- يلاحظ ان بعض القضايا التاءريخية التي اهتم القرآن الكريم بذكرها لها طابع اعجازي خارج عن نطاق القوانين الطبيعية،مثل قضية يونس والحوت، وقصة سليمان وعرش بلقيس او قصته مع النملة او مع الهدهد، او قصة اصحاب الكهف، اوقصة العزيز وحماره. فهل هذه القضايا تمثل سننا تاءريخية ايضا يمكن ان نفيد منها في التعامل مع الواقع؟ وما هي الحكمة من طرحها؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان مساءلة المعجزة في الدين تمثل الحادثة الخارقة للعادة الماءلوفة في حركة الاسباب والمسببات في وعي الانسان للسببية، لتكون نوعا آخر من الاسباب الخفية التي تتحرك بعيدا عن مجالات المعرفة الانسانية كما هو راي بعض المفكرين المسلمين، او لتكون فعلا الهيا مباشرا على طريقة الخلق التكويني بعيدا عن الارتباط العضوي باءي سبب خفى، ولذلك فان هذه الحادثة في كل نماذجها لا تمثل قضية متصلة بالمسار الانساني في حركة التاريخ، ولكنها تتصل بالسنة الالهية في اعطاء بعض القدرات غير العادية لبعض انبيائه واوليائه، او توفير بعض الوسائل غير الماءلوفة، او تهيئة بعض الاوضاع الاعجازية في ساحة التحديات مع الذين يواجهون الرسالات بالتحدي العدوانى، او ايجاد بعض الحوادث غير الطبيعية في حياة بعض الانبياء على سبيل الابتلاء، وما الى ذلك مما يدخل في تجاوز الماءلوف في الطبيعة والاسباب العادية التي تمثل الخط الطبيعي للنظام الكوني في اوضاعه وحوادثه.

اما الحكمة من طرحها فهي التاءكيد على قدرة اللّه في الماءلوف وغير الماءلوف لان كل ذلك من ابداعه وهيمنته على الوجود كله، فان المعجزة في الماءلوف قد تكون اعظم في سرها العميق في القدرة من غير الماءلوف، لانها تتحرك في القاعدة بينما تتحرك تلك في حادثة معينة مما يجعل عمق القدرة فيها اقوى واوسع واشمل واكثر امتدادا في الزمن،ولكن الالفة تفقد الشيء تاءثيره في النفس.

ثم انها توحي برعاية اللّه لرسله ولاوليائه في ساحات التحدى، كما يمكن ان يمنح بعض ذلك للمؤمنين المخلصين في بعض فجوات الواقع الصعب الذي يعيشونه من خلال بعض الكرامات التي يكرمهم اللّه بها ليحل لهم مشكلة معقدة، اولينقذهم من خطر داهم، او ليظهر فضلهم عن الناس، وهكذا يعرف الناس ان الغيب يتحرك في الواقع، كما يتحرك في المطلق ليتجاوز الناس الحس والماءلوف الى الافاق الواسعة في قدرة اللّه التي لا يحدها شيء ليعيشوا في اجواء الثقة به في كل مواقع وجودهم.

ومن خلال ذلك يعرف العاملون في سبيل اللّه انهم يتحركون في رعاية اللّه، ليزدادوا وثوقا به وتوكلا عليه واملابالمستقبل، وبالخروج من النفق المظلم مهما ضاقت مساربه ونوافذه الى الصحو المشرق المبدع في آفاق الامل الكبيرباللّه.

الدكتور علي لاغا:

ان المعجزات التي كانت تاءتي على يد الرسل عليهم السلام انما تهدف لاثبات نبوءتهم. واخبارنا بحصولها لا يخرج عن الهدف الذي حدثت به امام معاصريها، فالمشهد يفاد منه بالمشاهدة كما بالرواية.. والمهم هو الرواية الصادقة..

وبعد التثبت من صدق الراوي ينصرف الانسان المؤمن الى التنفيذ، فالمساءلة هي اقتناع او ايمان، ثم بعد ذلك عمل دؤوب لتطبيق المنهج...

الدكتور محمود البستانى:

لا احسب ان ثمة ضرورة لان نصطنع فارقا بين السنن التاريخية او الاجتماعية وبين الظاهرة «الفردية» بالنسبة الى الظواهرذات الطابع الاعجازى، فالمهم ليس «اجتماعية» الظاهرة او «فرديته» بل هو «الانسان» ومدى افادته من الظواهرالاعجازية. ومما لا شك فيه، ان اية ظاهرة - طبيعية كانت او اعجازية - ينبغي ان يوظفها الانسان في تعديل سلوكه، اوما اسميتموه بالتعاط ي مع الواقع. فالقرآن الكريم حينما يطرح ظاهرة اعجازية نجده حينا: يطرحها من خلال الشخصيات المصطفاة كالانبياء (ع) او اوصيائهم، وحينا آخر مع بشر عاديين كاءصحاب الكهف، والمهم هو استثمار ذلك في تعديل السلوك بحيث يصح الذهاب الى ان الاخلاص في التعامل مع اللّه تعالى يفضي الى تسخير «المعجز» لصالح الشخصية سواء اكانت مصطفاة ام عادية.

5- يهتم القرآن الكريم بعرض قضايا ومواقف خاصة لها طابع شخصي جزئي ربما نرى انها ليست مهمة او اساسية بادىءالنظر، كما ورد في سورة التحريم: (واذ اسر النبي الى بعض ازواجه حديثا فلما نباءت به واظهره اللّه عليه عرف بعضه واعرض عن بعض فلما نباءها به قالت من انباءك هذا قال نباءني العليم الخبير)...الخ الايات. او قوله تعالى: (قد سمع اللّهقول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى اللّه واللّه يسمع تحاوركما ان اللّه سميع بصير).

ما هو السر في نظركم وراء اهتمام القرآن بعرض امثال هذه القضايا؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

قد نستوحي من ذلك ان اللّه يريد ان يقدم للناس حياة رسوله بكل تفاصيلها العائلية ليدلل على المعاناة التي كان يعيشهافي داخل بيته والمشاكل التي كانت تتجمع حوله، وعلى الصبر الانساني الرائع الذي كان يتمتع به في مواجهة ذلك كله،ليكون ذلك درسا لكل العاملين في حقل الدعوة والاصلاح الذي قد يعيشون في مثل هذه التجربة للايحاء اليهم باءنهاحالة طبيعية تصيب الانبياء، فلا يتعقدون منها بل يتابعون مسيرتهم بكل صبر وثبات ورضا واطمئنان.

وربما كانت المساءلة تمثل الايحاء باءنه ليس من المفروض في نساء الانبياء ان يكون سلوكهن في المستوى الاعلى من الانضباط والتقوى في الجانب الاخلاقى، وان النبوة لا تمنحهن عصمة في العلاقة الزوجية بالنبى، بل تهيء لهن الجوالمناسب للالتزام بالاستقامة في العمل. ولكنهن قد ينحرفن عن ذلك بطريقة وباءخرى وفي ضوء ذلك ينبغي الا يربط الناس في القيمة بين الرسالي وعائلته ليمنحوها التعظيم الذي يمنحونه له، لان العلاقة لا تفرض ذلك، فللنبي قيمته ولعياله قيمتهم، وهذا ما تحدث اللّه عنه في سورة التحريم في بعض ازواج النبى، كما تحدث عن امراة نوح وامراة لوط مع الفارق بين الموردين في الخصوصيات وفي المواقف.

ومن ناحية ثانية، فان على الناس الا ينظروا الى الرساليين نظرة سلبية اذا كان اولادهم وزوجاتهم واقرباؤهم منحرفين عن الخط في سلوكهم الاخلاقى، ليكون ذلك دليلا على فشلهم لعدم قدرتهم على هدايتهم الى سواء السبيل، فان الانبياءوالائمة والاولياء والعاملين في سبيل اللّه لا يملكون الوسائل غير العادية للهداية، لان اللّه لم يجعل ذلك لهم في الخط العام. وهذا مما اكده اللّه في خطابه للنبي (ص) (فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر) (الغاشية /31).

اما في آية المجادلة فانها تدلل على رحابة صدر النبي (ص) لسماع الشكوى في القضايا الجزئية الصغيرة التي تمس حياة الناس العاديين، على الرغم من المكان العظيم الذي يحتله. وصبره على جدالها الذي قد يكون بعيدا عن اللياقة في اطلاق الكلمات انطلاقا من المستوى المتدني للاسلوب الجدلي لامثال هذه المراة من الناس العاديين فلم يعترض النبي (ص) على ذلك بل تقبله بكل حنان ورعاية وعاطفة. ليكون ذلك ايحاء لكل الكبار في المواقع الدينية المتقدمة ان لا تمنعهم مواقعهم الكبيرة من العيش مع الناس في رعاية امورهم وسماع شكواهم وحل مشاكلهم والا يتحولوا الى طبقة مستعلية في البرج العاجي ليطلوا على المستضعفين من فوق ليعتبروا انفسهم اكبر من معالجة هذه الامور ومن التنازل الى هذه الدرجة الاجتماعية. وهذا ما نستوحيه من سورة «عبس» في هذا الجانب منها: وان عليهم ان يتحملواكل السلبيات الكلامية وكل اساليب الجدل الذي يثيره المستضعفون معهم في قضاياهم ثم.. ان هناك نقطة مهمة في هذه الاية، وهي رعاية اللّه في رحمته فلا يعتبروا انفسهم فوق ذلك لعباده حيث يستمع اللّه الى شكواهم ويتعهد آلامهم بالرعاية والعناية وانزال الوحي التشريعي لحل مشكلة هذه الانسانة الضعيفة التي لم تستطع ان تحل مشكلتها ذاتيافرفعت شكواها الى اللّه، من خلال رسول اللّه (ص) فاستجاب اللّه لها وانزل التشريع الذي تحول الى قاعدة لمثل هذه القضية ليكون حلا لكل النماذج المماثلة لها في حياة الناس الاخرين.

وفي ضوء ذلك، نعرف ان اللّه يرحم عباده المستضعفين ويسمع شكواهم وان الشريعة تمثل رحمة اللّه بهم في كل القضايا الصغيرة والكبيرة.

الدكتور محمود البستانى:

ان طرح الظواهر يتم، في الاعمال الفنية الخالدة، من خلال بعدها العام، اي بكلمة بديلة: ان «العام» يظل هو الهدف من وراء الطرح، سواء اكانت القضية المطروحة ذات طابع اجتماعي ام كانت ذات طابع «فردي» فاذا نقلنا هذه الميزة الفنية الى القرآن الكريم نجد ان احد طوابع اعجازه يتمثل في الحقيقة المشار اليها. سر ذلك ان القرآن الكريم ما دام يتحدث مع الاجيال جميعا، حينئذ، فان الجمع بين ما هو «نسبي» كالتعامل مع مجتمع صدر الاسلام مثلا وبين ما هو «مطلق»يظل هو الحقيقة الفارضة ذاتها على الواقع.. فالقضية الفردية التي تتحدث عن «الانباء» او استماعه تعالى للمحاورة بين الطرفين، او «العبوس»، او اية قضية فردية ترتبط باءشخاص باءعيانهم كالثلاثة الذين تخلفوا او قضية زيد او الخ تظل جميعاتفرز اهدافها بوضوح من خلال الافادة منها في معرفة الحقائق من جانب وتعديل السلوك من جانب آخر.

6- من الظواهر اللافتة للنظر في القرآن الكريم انه كان ينزل مفرقا بحسب الحوادث الواقعة، ومن ذلك نشاء البحث في مايعرف عند المفسرين باءسباب النزول. كيف تفسرون هذه الظاهرة؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان نزول القرآن نجوما كما هو التعبير المصطلح لنزوله مفرقا لا جملة واحدة، قد عبرت عن السر فيه الاية الكريمة في قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورثلناه ترتيلا) (الفرقانر32).

فان فقرة «لنثبت به فؤادك» قد توحي باءن اللّه اراد للقرآن ان يواكب حركة الدعوة في حركة النبي محمد (ص) من اجل ان يتابع التحديات والمشاكل والاهتزازات الاجتماعية والنفسية التي كانت تحدث في ساحة الصراع مما كان يثقل الواقع الاسلامي ويدفع بالمسلمين الى بعض الحيرة والارباك والتساؤل عن هذه القضية، وتلك المشكلة، وحكم اللّه في هذه الواقعة او تلك بما كان النبي (ص) يتوقف لينتظر امر ربه في ذلك كله ليربيهم على انه لا يتحرك من ذاته في المساءلة التشريعية، او في الواقع العملي بل من خلال امر اللّه ووحيه، لينطلقوا في هذا الخط فلا يقدموا رجلا ولا يؤخروا اخرى حتى يعلموا ان ذلك للّه رضا، ولا يتحركوا في اية مشكلة او في اية قضية الا من موقع الوحي الالهي في كتابه والتعليم النبوي في سنته وربما كان هذا الاسلوب من افضل الاساليب في تثبيت الموقف وتركيز الموقع ومتابعة الحركة في رعاية وحي اللّه ليزدادوا ثقة بالنهج النبوي في التوجيه والتخطيط، وبالمسيرة التي تتحرك برعاية اللّه في تفاصيلها الصغيرة والكبيرة.

اما الحديث عن تثبيت اللّه فؤاد النبي وعقله وروحه فانها التعبير عن ثبات الرسالة باعتبار انه التجسيد لها، وذلك من خلال كل الحركية المفتقرة الى المتابعة التفصيلية.

لقد انطلق القرآن من حياة الناس في وحي اللّه الذي كان يريد للفكرة ان تتحرك في الواقع من خلال هذه المناسبة، اوذلك الشخص او تلك المشكلة، فتتجذر في الحس وفي الوجدان الذاتي للفرد والمجتمع في عهد الرسالة لتاءخذ بعدذلك البعد الكلي العام للتشريع الذي لا يتحدد في زمان ومكان فليست اسباب النزول حدود الاية او السورة بل هي المنطلق الذي يقدم نموذج المشكلة والحل في الواقع ليكون الوجه الواقعي للخط العام للمشكلة والحل في الحياة الانسانية كلها وهذا ما عبر عنه الامام الباقر (ع) فيما روي عنه في مضمون حديثه: «ان القرآن يجري مجرى الشمس والقمر والليل والنهار».

وربما يستوحي المجتهد من اسباب النزول الموثوقة من بعض الظروف الموضوعية المحيطة بالمساءلة، مما يتصل بالشخص في خصوصياته وبالمكان في حدوده وغير ذلك، ما يمكنه من تقييد المطلق وتخصيص العام، وارادة خلاف الظاهر بوساطة القرائن المتناثرة هنا وهناك، وقد توحي ببعض اللمحات التفسيرية التي تطل على المضمون بايحاءات واشارات وايماءات فكرية قد تعين على فهم بعض النواحي في ابعاد الاية. ولكن لابد من التدقيق الدقيق في وثاقة روايات اسباب النزول لانها قد تكون اجتهادا من رواتها، لا حديثا عن الواقع في مورد نزول الاية.

واخيرا، ان القرآن هو كتاب الدعوة الاسلامية في جانبها الموضوعي والحركى. ولهذا فلابد للمفسر من ان يعيش الذهنية الحركية التي تدرس القرآن في حركة الانسان في الواقع بالاضافة الى معنى مفرداته في القاموس لانه كان في طريقة نزوله كتاب الواقع الذي يشرع للخط العام في المطلق.

7- صرح القرآن الكريم بهيمنته على سائر كتب الاديان السابقة، وقد مارس بالفعل هذه الهيمنة فصحح كثيرا مما ورد فيهامن اخبار الانبياء وتجارب الامم الماضية.

ما هي اسس هذه الهيمنة في نظركم؟ وهل يمكن القول انها توجه المسلم الى التعامل مع الاخبار والاحداث بطريقة واعية وناقدة؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

لما كان القرآن يمثل الكتاب الخاتم للكتب الالهية الذي جاء مصدقا لما بين يديه من الوحي الالهي في التوراة والانجيل وغيرهما، لذلك كانت مهمته ان يقوم بتصحيح الانحرافات التي حدثت في تلك الكتب من اجل سلامة النص الالهي الذي يمثل الكتاب كله الذي يصدق بعضه بعضا حتى لا تتعارض النصوص فتفسد التصور وتؤدي الى التناقض والدخول في صراعات دينية لا اساس لها من الوحى، وهذا هو الذي حدث فيما نعيشه من صراعات الاديان من اجل التحريفات في النص او الفهم او في امثال ذلك.

واذا كان القرآن الكريم قد انطلق من اجل توثيق المفاهيم الدينية الواردة في الكتب الالهية، فان ذلك يمثل المنهج القرآني التوثيقي في النظر الى الفكر الديني في اصالته ونقائه، ولذلك فلابد لنا من السير في خط هذا المنهج العلمي الذي يعمل على التدقيق في نسبة الفكر الى الوحي الالهي او في نسبته الى النبي (ص) او الى ائمة اهل البيت (ع) فقدنلاحظ ان هناك حشدا كبيرا من حركة الوضع في الاحاديث الماءثورة ونسبتها الى الثقاة من الرواة، كما نقرا في اكثر من رواية ان بعض الناس كاءبي الخطاب في كتب اصحاب الامام الباقر (ع) اربعة آلاف حديث وكان اصحابه المنتمون شكلياالى اصحاب الامام يستعيرون كتب الثقاة من الرواة عن الامام فيدسون فيها احاديث الكفر والغلو والزندقة - كما جاء في نص الحديث - وفي ضوء ذلك لابد لنا من التدقيق في مضمون الرواية بالاضافة الى التوثيق في سندها من خلال المقارنة بينها وبين المضمون القرآني في ظاهر القرآن لنصل الى الحقيقة الحاسمة في الفكر والفقه والمفاهيم العامة والخاصة.

ولعلنا نلاحظ ان هناك ركاما هائلا من الاحاديث الضعيفة التي نفذت الى داخل الساحة الحديثية مما تساهل فيه المتساهلون على اساس انها لا تمثل الزاما في المساءلة الفقهية فلا مشكلة - في هذه الجهة - لان هناك قاعدة التسامح في ادلة السنن التي لم تثبت علميا، ولكنها امتداد الى كل المجالات حتى غير الفقهية مما اساء الى الكثير من المفاهيم الاسلامية العامة في اكثر من موقع.

الدكتور علي لاغا:

قال تعالى: (وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه..) (سورة المائدة: 48). والهيمنة تعني الحفظ وتعني انه مؤتمن عليه، والهيمنة هي شاهدة بالصحة، وهنا بصحة الكتب المنزلة، كما تعني العلو والارتفاع (تفسير القرطبى: 6/210).

ومن يدرس الكتاب المقدس بقسميه العهد القديم والعهد الجديد، يرى الاحكام الشرعية في سفر الخروج وفي تثنية الاشتراع.. احكام الزواج والطلاق والمحرمات والحيض والنفاس.. احكام الزكاة، احكام الحدود من سرقة وزنى وقتل..احكام الردة... كلها ما زالت موجودة لكن يعتريها التحريف مما يجعلها قاسية، صعبة التصور..

ان القرآن الكريم اماط اللثام عن هذه الشريعة التي حوتها التوراة المنزلة على موسى عليه السلام، وكشف عن حقيقة ماحدث لعيسى عليه السلام مع اليهود والرومان الوثنيين.. تلك هي اسس الهيمنة، الحفظ والتصديق والتصحيح..

8- من خلال ظاهرة توظيف القرآن الكريم للحدث التاءريخي في خطابه الى البشر، هل يمكن الاشارة الى خصائص منهجية معينة تميز عملية التوظيف هذه؟

السيد محمد حسين فضل اللّه:

ان ميزة هذا التوظيف القرآني للحدث التاريخي في خطابه الى الانسان انه يضع المنهج الفكري والعملي للانطلاق في خط الواقع في حركة الفكرة في الوجدان الانساني في خط الاعلام، لننطلق من خلال ذلك الى توجيه الباحثين والمفكرين الى الابتعاد عن فكر التجديد الذي يحلق في الفراغ في متاهات الخيال الفكري والتركيز على التحرك في ساحة الواقع ليكون الفكر الاسلامي - كما هو في طبيعته - واقعيا يتحرك مع الانسان في معطيات حياته وتطلعاتها في دور الخلافة الانسانية على الارض حتى اننا نقرا في القرآن ان اللّه سبحانه يريد للانسان ان ينطلق في ايمانه باللّه من واقع الكون في اسرار العظمة، ومن واقع الحياة في اسرار النعمة ليرى الانسان المؤمن ربه في كل مظاهر الربوبية في الواقع وفي كل حركة النعمة في الحياة.

اننا ننطلق من الغيب في العقيدة الالهية لنعيش في الحياة التي ارادنا اللّه ان نتحمل مسؤوليتنا في تفجير طاقاتنا فيها في عملية تزاوج عميق بين الغيب والحضور لان اللّه هو الحاضر الذي لا حضور اعظم من حضوره، والغائب الذي لا غيب اوسع من غيبه، وهكذا تنطلق الحركة الثقافية الاسلامية لتحلق في اجواء المطلق من خلال الحدود، ولتعيش في الغيب من خلال الحضور، وهذا هو سر النهج القرآني الذي يوظف الحياة المتحركة في الماضي التاريخي لخدمة الحياة الحاضرة والمستقبلة وليدفع بالفكرة من داخل الواقع الانساني في كل حركيته لتمثل خطا عريضا لامتداد الفكرة في مدى الزمن بكل امتداداته في الحياة.

الدكتور علي لاغا:

ان القصص القرآني انما كان بعثا لتجارب ماضية، ووضعها بكل ايجابياتها وسلبياتها امام الانسان الحي كي يفيد منهامختصرا الوقت مبتعدا عن تكرار ما ثبت خطاءه، ومثال على ذلك ما حدث للعزير وطلب موسى عليه السلام من ربه«قال: رب ارني انظر اليك قال: لن تراني ولكن انظر الى الحبل..»، وطلب ابراهيم عليه السلام لربه ان يريه كيف يحيي الموتى، او الاجابة على من شككوا بيوم القيامة، كل ذلك يقف بالباحث امام حقيقة المنهج، ليس من جهة التشريع وانما من جهة كيفية بناء القناعة والايمان عند الانسان، انها التجربة التي تضع الحقيقة الحسية المشاهدة، المعلومة امام الانسان.. وعندها لا يترك للعقل فرصة الضياع ومضيعة الوقت..

وعندها.. يرتقي العقل المسلم سلم العلوم والمعرفة، وتنزاح عن عينيه الغشاوة، وتزول التعدديات وتحقق وحدة الرؤية والمعتقد، وحدة الهدف المصير.. سبب ذلك ان المعلوم لا يحتمل التاءويل والظن.. بل هو حقيقة واحدة، لا تتعدد ولاتتبعض.. تلكم هي طريقة وحدة الامة، وتلكم هي الطريق الى ريادة العالم من جديد..

الدكتور محمود البستانى:

سبقت الاشارة، الى ان القرآن الكريم قد وظف «العنصر القصصي» بما يتطلبه من اداء فني في عرض الشخصيات والمواقف والاحداث والبينات بالنسبة الى الحدث التاءريخى، وهذا يعني ان «المنهج الفني» هو المميز للتوظيف المذكور.. طبيعيا، ينبغي ان ناءخذ بنظر الاعتبار ان نمط الاستجابة البشرية للشيء، يستتبع بالضرورة ملاحظة العمليات النفسية التي تنظم سلوك البشر عبر ادراكه لحقائق الحياة...

وهذا الجانب - اي ملاحظة مبادىء الاستجابة البشرية - قد اخذها القرآن الكريم بنظر الاعتبار، سواء اكان ذلك يتم بنحو مباشر ام غير مباشر، حيث نلحظ ان كثيرا من الافكار المطروحة قد تتم بنحو غير مباشر بحيث يطرحها النص القرآني الكريم على لسان شخصية ثانوية او ياءتي بها عرضا بحيث يحمل المتلقي على ان يتداعى بذهنه - بشكل غيرواع - الى تمثل الدلالة التي استهدفها القرآن الكريم وهضمها. والامثلة على ذلك متنوعة، ولعل قراءة المواقف والاحداث التي واكبت حياة يوسف (ع) ، مثلا، في تعامله مع الشخصيات الثانوية في القصة يوضح لنا هذا الجانب ممالا مجال للحديث عنه الان.

المصدر: مجلة المنهاج / الرقم 3

جمیع حقوق النشر محفوظة لموقع الصادقين